يقتضي أسلوب الممارسة الطبية المبنية على البراهين والأدلة ونقل المعرفة إلى أرض الواقع أن يرجع الأطباء والعاملين في القطاع الصحي إلى افضل الأدلة المتوفرة عند اتخاذهم لقرارات تتعلق بالمرضى أو بالنظام الصحي أو بالتعليم الطبي وأن ترتكز توصيات الكتب والمقالات المرجعية على احدث الأدلة البحثية المتوفرة وأفضلها. ورغم بساطة وبدهية هذا المفهوم إلا أن الواقع يشير إلي أن هناك فجوة ةلؤرهائلة بين الممارسة ونتائج البحوث لذا فقد كان توجه الاستناد إلى الأدلة في اوائل التسعينات إحدى الخطوات الجادة لمغايرة هذا الوضع حيث ركز على أهمية تغيير الصورة الذهنية عن الكيفية التي تتم بها الممارسة الطبية والابتعاد بها عن المنطق والتبرير والحدس والحس الإكلينيكي والتحيز لتكون أكثر موضوعية ومتماشية مع نتائج البحث العلمي المصمم جيداً وأثر ذلك كله على النتائج المتعلقة بالمرضى. وقد كان لهذا المفهوم أصداء واسعة في المجتمع الطبي.
ومن الجدير بالذكر أنه في ظل المستجدات في الأنظمة الصحية حيث يزداد التركيز على تحديد النتائج الصحية وقياسها لجميع الإجراءات الصحية والمطالبة المتزايدة بالمسؤولية العامة فيما يتعلق بالرعاية الصحية ومحاسبة المصروفات الصحية وازدياد توفر المعلومات لدى المنتفعين بخدمات الرعايةالصحية , يصبح من الخطورة بمكان تجاهل الممارسة المستندة إلى الأدلة والبراهين . ولعل ما نحن بحاجة إليه فعلياً هو أن نستوعب مفاهيم الممارسة المبنية على الأدلة سريعاً ونبدأ بوضعها في موضع التنفيذ حتى لا نتخلف عن الركب وحتى لا نحرم مرضانا من حقهم في تلقي الرعاية الصحية المستنده إلى أفضل الأدلة العلمية المتوفرة.
هذا بالإضافة إلى أنه في ضوء تطورتقنية المعلومات وقدرة الفئة المثقفة من المرضى في المجتمع العربي على الإطلاع على الغث والسمين من المعلومات المتوفرة على الإنترنت مثلاً دون تقييم لصحتها ومدى استنادها إلى أدلة علمية، يصبح توفير المعلومات الطبية الصحيحة لهم مطلباً وطنياً حتى يكونوا أقدر على المشاركة الفعالة في الاستشارة الطبية والإسهام في الارتقاء بالمستوى الصحي في المملكة والعالم العربي ككل.
ولا تزال مسيرة " الممارسة الصحية المستندة إلى الأدلة والبراهين" في بدايتها في المملكة العربية السعودية, تخطو خطواتها الأولى والحثيثة نسبياً. لذا فإن مبادرة الجامعة الأم في المملكة في هذا الوقت بإنشاء مركز أو جهة أكاديمية تعنى بنشر هذه الثقافة وبحثها على جميع المستويات سيسهم في رسم الصورة الرائدة للجامعة ليس على المستوى المحلي أو الوطني فحسب ولكن في العالم العربي بأجمعه.
وتحظى الكلية ولله الحمد بوجود كفاءات عديدة مشهود لها علمياً ودولياً في هذا المجال من أقسام مختلفة ( طب العائلة والمجتمع ,الجراحة , الباطنة والأطفال وغيرها) ومن المتوقع أن تضيف هذه الكوادر صبغة أكاديمية متميزة على الفعاليات التي تنظمها في هذا المجال.